ابن رشد

259

تهافت التهافت

التغير . فنقول : إن صح هذا فاسلكوا مسلك إخوانكم من الفلاسفة حيث قالوا أنه لا يعلم إلا نفسه وأن علمه بذاته عين ذاته لأنه لو علم الإنسان المطلق والحيوان المطلق والجمال المطلق وهذه مختلفات لا محالة . فالإضافة إليها تختلف لا محالة فلا يصلح العلم الواحد أن يكون علما بالمختلفات ، لأن المضاف مختلف والإضافة مختلفة والإضافة إلى المعلوم ذاتية للعلم فيوجب ذلك تعددا واختلافا لا تعددا فقط مع التماثل ، إذ المتماثلات ما يسد بعضها مسد البعض والعلم بالحيوان لا يسد مسد العلم بالجماد ولا العلم بالبياض يسد مسد العلم بالسواد فهما مختلفان . ثم هذه الأنواع والأجناس والعوارض الكلية لا نهاية لها ، وهي مختلفة فالعلوم المختلفة كيف تنطوي تحت علم واحد ثم ذلك العلم هو ذات العالم من غير مزيد عليه . وليت شعري كيف يستجيز العاقل من نفسه بأن يحيل الاتحاد في العلم بالشيء الواحد المنقسم أحواله إلى الماضي والمستقبل والآن ولا يحيل الاتحاد في العلم المتعلق بجميع الأجناس والأنواع المختلفة . والاختلاف والتباعد بين الأجناس والأنواع المتباعدة أشد من الاختلاف الواقع بين أحوال الشيء الواحد المنقسم بانقسام الزمان فإذا لم يوجب ذلك تعددا واختلافا ، فكيف يوجب هذا تعددا واختلافا ومهما ثبت بالبرهان أن اختلاف الأزمان دون اختلاف الأجناس والأنواع وأن ذلك لم يوجب التعدد والاختلاف ، فهذا أيضا لا يوجب الاختلاف ، وإذا لم يوجب الاختلاف جازت الإحاطة بالكل بعلم واحد دائم في الأزل والأبد ، ولا يوجب ذلك تغيرا في ذات العالم . قلت : الأصل في هذه المشاغبة تشبيه علم الخالق سبحانه بعلم الإنسان ، وقياس أحد العلمين على الثاني . وذلك أن إدراك الإنسان للأشخاص بالحواس وإدراك الموجودات العامة بالعقل ، والعلة في الإدراك هو المدرك نفسه ، فلا شك في تغير الإدراك بتغير المدركات وفي تعددها بتعددها . وأما جوابه عن ذلك بأنه ممكن أن يكون هاهنا علم نسبة المعلومات إليه نسبة المضافات التي ليست الإضافة في جوهرها مثل اليمين والشمال في ذي اليمين والشمال فشئ لا يعقل من طبيعة العلم الإنساني ، فهذه المعاندة سفسطانية . وأما العناد الثاني وهو قوله : إن من قال من الفلاسفة إنه يعلم الكليات ، فإنه يلزمهم إنهم إذا أجازوا على علمه تعدد الأنواع فليجيزوا تعدد الأشخاص وتعدد أحوال الشخص الواحد بعينه فعناد سفسطاني . فإن العلم بالأشخاص هو حس أو خيال ، والعلم بالكليات هو عقل . وتجدد الأشخاص أو أحوال الأشخاص يوجب شيئين : تغير الإدراك وتعدده ، وعلم الأنواع والأجناس ليس يوجب تغيرا إذ علمها ثابت وأنهما يتحدان في العلم المحيط بهما ، وإنما